عبد الوهاب الشعراني

476

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

عصرنا هذا فإن بيننا الآن وبين الشارع نحو خمسة عشر دورا وأين من يخرق بصره هذه الأدوار كلها حتى يشهد اتصال أقوال جميع الأدوار بعين الشريعة ، وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : مثال عين الشريعة المطهرة التي يتفرع منها كل قول من أقوال المجتهدين ومقلديهم مثال العين الأولى من شبكة الصياد ومثال أقوال علمائها مثال العيون المنتشرة منها في سائر الأدوار فمن كشف اللّه تعالى عن بصيرته وأدرك العين الأولى وما تفرع منها أقر جميع أقوال علماء الإسلام بحق وشاهدها كلها مرتبطة بالعين الأولى من العيون كارتباط الظل بالشاخص أو كارتباط الأصابع بالكف ، ومن لم يكشف اللّه تعالى عن بصيرته أخطأ ضرورة كل ما زاد عن مطمح بصره وأخرجه عن الشريعة قال : وعلى ما قررناه ينزل القولان من أن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والباقي مخطىء وبالأول قال جماعة من الأصوليين ومن المالكية أبو بكر بن العربي وغيره وبالثاني قال الجمهور انتهى . وقد كنت وضعت بحمد اللّه تعالى ميزانا أوضحت فيها أدلة هذين القولين ثم لما رأيت الغالب على أهل المذاهب الإكباب على قول إمامهم وعدل التدين بأقوال غيره إلا لضرورة رجعت عنه . ( وسمعت ) : سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : ما تم لنا قول إلا وأصله مجمل في الكتاب والسنة ولولا ذلك ما قال اللّه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] بل كان يكتفي بتبليغه القرآن من غير بيان قال : ولما كان من المعلوم أنه لا يفصل العبارة إلا العبارة نابت الرسل عليهم الصلاة والسلام ، عن الحق تعالى في تفصيل ما أجمله تعالى في كتابه العزيز وناب المجتهدون مناب الرسل عليهم الصلاة والسلام ، في تفصيل ما أجملوه في كلامهم وناب أتباع المجتهدين مناب المجتهدين فيما أجملوه من كلامهم ، وهكذا القول في كلام أهل كل دور ممن بعدهم إلى وقتنا هذا يفصل أهل كل دور ما أجمله الدور الذي قبلهم ، ولولا أن حقيقة هذا الإجمال سارية في العالم ما شرحت الكتب ولا ترجمت من لسان إلى لسان ولا وضع الناس على تفسير بعضهم وشروحه حواشي بل ربما وضعوا على الحواشي حواشي والسر في ذلك أن غير الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، إذا تكلم على حكم شرعي لا يمكنه أن يستحضر جميع ما يرد على تلك العبارة من الأسئلة والأحكام حتى يفصح عنها في تلك العبارة بل ينسى أكثر الأحكام بخلاف الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه لا يتكلم إلا بوحي من ربه عزّ وجلّ معصوم من الخطأ ونقص